انتقادات للسعودية لجرأة فعالياتها الفنية في بلد محافظ

شهد السعودية نشاطا فنيا مكثفا، ضمن سياسة في البلد “المحافظ” تتجاوز الكثير من ممنوعات الماضي، وهو انفتاح حظي بإشادات من سعوديين وغربيين وأثار تحفظات على جرأة بعض الفعاليات.

جاء ذلك مقابل تأكيد رسمي على الالتزام بـ”الضوابط الشرعية”، ما استدعى قبل أيام فتح تحقيق بشأن ملابس فرقة راقصة أجنبية.

وعبر منصات فنية عديدة، جذبت المملكة مشاهيرا عربا وغربيين، لاسيما مع افتتاح “موسم الرياض”، وضمنه حفلات “ميدل بيست” الغنائية، مرورا بمهرجان البحر الأحمر السينمائي الأول من نوعه في مدينة جدة (شرق)، وصولا لفعاليات “شتاء جازان” (جنوب غرب)، التي افتتحت في 6 يناير/ كانون الثاني الجاري.

وعرفت المملكة لعقود قيودا شديدة بحق المرأة والفن واختلاط الجنسين والحفلات الغنائية، لكن قبل سنوات حدثت تحولات اجتماعية لافتة، عبر خطة رسمية لدعم الترفيه، وتأسيس هيئة له عام 2016، من أبرز أنشطتها إقامة مهرجانات وفعاليات فنية وغنائية يُشترط فيها رسميا “الحفاظ على الذوق العام”.

ورؤية 2030 في المملكة تستهدف رفع مساهمة قطاع الترفيه في إجمالي الناتج المحلي من 3 إلى 6 بالمائة.

وكشف ولي العهد، محمد بن سلمان، في تصريحات سابقة، أن بلاده “تستهدف توطين 50 بالمائة من قطاع الترفيه، إذ ينفق المواطنون 22 مليار دولار على الترفيه في الخارج سنويا”.

موسم الرياض و شتاء جازان

منهيةً ما يزيد عن 35 عاما من الحظر، افتتحت السعودية أول دار سينما، في أبريل/ نيسان 2018.

واتجهت الأنظار، في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2019، نحو ما عُرف باسم “موسم الرياض”، الذي شهد أكثر من 100 فعالية، أبرزها غنائية وترفيهية، تجاوز عدد زوارها 10 ملايين، منتصف ديسمبر/ كانون الأول من العام ذاته.

وبعد توقفه في 2020 جراء جائحة كورونا، انطلق الموسم الثاني في 20 أكتوبر 2021، وسجل حتى 23 ديسمبر الماضي أكثر من 7 ملايين ونصف مليون زائر، بحسب تغريدة لرئيس هيئة الترفيه، تركي آل الشيخ .

وبرز ضمن فعاليات “موسم الرياض”، “ميدل بيست” وهو مهرجان دولي يستقبل مشاهير الغناء عربيا وأجنبيا، وأقيمت نسخته الأولى بين 19 و21 ديسمبر 2019، بحضور تجاوز 400 ألف شخص، ثم ارتفع في نسخته الثانية، بين 16 و19 ديسمبر 2021، إلى 732 ألف زائر، بحسب “آل الشيخ” في 20 من الشهر نفسه.

ومن الرياض إلى جدة، حيث أعلنت المملكة افتتاح مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بنسخته الأولى، 6 ديسمبر الماضي واختتم منتصف الشهر ذاته، ببرنامج ضم 138 فيلما طويلا وقصيرا من 67 بلدا بـ34 لغة، بجانب ظهور لافت لفنانات وضيوف بفساتين سهرة اعتبرها منتقدون “منفتحة”.

وفي جازان، انطلق مهرجان “شتاء جازان” في 6 يناير الجاري، بحضور أمير المنطقة محمد بن ناصر، ويستمر أسبوعين بفعاليات بينها مسابقات رياضية وسينما خارجية وحفلات غنائية.

إشادات وتحفظات

هذا العام أثار “موسم الرياض” انبهارا بأنشطة متنوعة بها “انفتاح غير معهود”، إلا أن مهرجان “ميدل بيست” تسبب له في “انتقاد”.

ففي تقرير عن المهرجان، قالت شبكة “بلومبيرغ” الأمريكية، في 18 ديسمبر الماضي، إنه يوجد به “أناس مخمورين، وآخرون يتعاطون مخدرات، ورقص الرجال والنساء مع بعضهم في بلد لم يكن يسمح إطلاقا بذلك قبل سنوات قليلة”.

ونقلت عن أمير يدعى “فهد آل سعود” ممن حضروا “ميدل بيست”، قوله: “نحن حريصون جدًا على أن نكون جزءًا من المجتمع الدولي، لكن لا يمكن خنقنا في كل مرة نحاول فيها إحراز تقدم”.

بالمقابل، تصدرت آنذاك على “تويتر” هاشتاغات (وسوم) أبرزها #إيقاف_موسم الرياض_مطلب، وسط رافض ومؤيد.

واستعان الناشط تركي الشلهوب بمقطع مصور لشاب يرقص، قائلا: “أوقفوا هذه المهزلة”.

وغرد فهد الغفيلي، وهو يعرف نفسه بأنه باحث في شؤون الخليج السياسية: “جنودنا في الحدّ الجنوبي (مع اليمن) يسهرون ليلًا دفاعًا عن الوطن، وفي الرياض تقام الحفلات ليلًا مليئة بالرقص والغناء”.

بينما كتب الأكاديمي السعودي، تركي الحمد: “موسم الرياض له الكثير من الجوانب الإيجابية، سواء من ناحية تعزيز القوة الناعمة للبلد، أو إحداث تغيير في الثقافة العامة، فإن يحدث خطأ عرضي لا يعني نسف المجهود بأكمله”.

ومتفقا معه غرد الأكاديمي السعودي، سعد ناصر الحسين، قائلا: “الذين يشاركون في هذا الوسم (المطالب بإيقاف الموسم) وهم من خارج المملكة، لا يخرجون عن صنفين: صنف قهره التطور الذي تشهده وكان ينظر لنا على أننا متخلفين، واليوم تجاوزته هو وبلده، وصنف مؤدلج له أطماع سياسية ويتمنى لنا أن ننتكس ونعيش في فقر وحرب وظلام”.

كما لم يسلم انفتاح السعودية في مهرجان جدة، من ثنائية الإشادات والتحفظات، إذ قالت رائدة صناعة الأفلام السعودية هيفاء المنصور إن المهرجان “يمثّل لنا منصة حقيقية للانطلاق”.

وعبَّر المخرج الهندي البارز، كبير خان، عن سعادته بالمشاركة في “هذا الانفتاح السينمائي الرائع الذي تشهده السعودية”، وفق ما نقله حساب المهرجان عبر “تويتر”.

وبموازاة احتفاء بانطلاق سينمائي غير معهود في المملكة، ظهرت على منصات التواصل انتقادات، أغلبها من معارضين سعوديين انتقدوا انفتاح السعودية ، لما اعتبروها أفلاما جريئة ولحضور الممثل الإيطالي ميشيل موروني المعروف بمشاهده الجريئة.

وبشأن جرأة الأفلام، قال مدير إدارة المهرجان، محمد التركي، لصحيفة “القدس العربي” في 7 ديسمبر الماضي، : “صحيح أن السعودية بلد محافظ، لكن معايير اختيار الأفلام كانت فنية بحتة (..) وهذا مشروع ثقافي نحتفي به، ومن حق السعودية أن يكون عندها مهرجان مثل غيرها”.

وتابع: “نريد أن نجعل السعودية أرضا خصبة للسينما والسينمائيين من السعودية وخارجها، (..) توجهنا عالمي. عندنا مواهب كثيرة وإمكانيات كثيرة ومناطق جميلة للتصوير، فلا يعيقنا شيء أن نصل إلى مستوى عالمي ويكون عندنا دخلا من هذه الصناعة”.

تحقيق “الفرقة الراقصة”

وضمن مهرجان “شتاء جازان”، شاركت فرقة راقصة أجنبية بملابس عدها مغردون “شبه عارية”، مما أثار تحفظات، تلاها السبت صدور توجيه من أمير جازان، محمد بن ناصر، بسرعة التحقيق في هذه المشاركة.

وأضاف المتحدث باسم إمارة المنطقة، عادل الزائري، في بيان، أن الأمير “وجه أيضا باتخاذ ما يلزم من إجراءات لإيقاف الفعالية، ومنع أي تجاوزات تتعارض مع عادات وتقاليد المجتمع”.

المتحدث أكد حرص أمير المنطقة على “عرض وإبراز ما تتمتع به منطقة جازان من تنوع ثقافي وحضاري في إطار الضوابط الشرعية واحترام الأعراف الاجتماعية السائدة”.

وبثت فضائية “الإخبارية” السعودية (رسمية)، السبت، مقاطع مصورة مظللة على ملابس الراقصات، وأفاد مراسلها زاهر المالكي بأن الفعالية “لاقت استنكارا كبيرا من المجتمع حتي كانت خادشة ومخالفة لمبادئ المجتمع”.

القناة نقلت عن القانوني محمد البجوي تأكيده أن “نشأة المملكة على كتاب الله وسنة رسوله، وأنها أصدرت قواعد للترفيه والأنشطة والفعاليات لتحفظ الذوق العام، وصدرت بشأنها لائحة وعقوبات لإمتاع الناس وإسعادهم، وليس لخدش الحياء وسلوكيات لا تمت للدين والأخلاقيات وعادة المجتمع بصلة”.

المصدر
الأناضول

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى