تقرير: دول الخليج تتسابق لجذب الاستثمارات الأجنبية

تبحث بلدان الخليج من خلال الصناديق السيادية والتداين شبه السري للشركات البترولية وبيع الأسهم، عن الوصفة السحرية لاستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، ذلك أن هذه الاستثمارات تعتبر أساسية لتنويع اقتصاد المنطقة إلى جانب الريع النفطي.

بمناسبة إدراج هيئة كهرباء ومياه دبي (ديوا) في البورصة، حضر أمير العاصمة الاقتصادية الإماراتية محمد بن راشد آل مكتوم بنفسه في سلسلة الاجتماعات العامة التي صاحبت هذا الحدث، معلنا أن “الاستثمار في ’ديوا’ هو استثمار في مستقبل دبي”.

ويُعتبر الاهتمام بإدراج هذه الشركة العمومية التي تمدّ 3,4 مليون ساكنا بالماء والكهرباء في البورصة، آخر علامة تترجم عن إرادة السلطات إعادة تنشيط سوق دبي المالية.

تقتفي دبي أثر أبو ظبي والرياض، حيث يتضاعف يوما بعد يوم عدد الشركات المدرجة في سوق أسهمها. وتضع الإمارة سوق أوراقها المالية في مقدمة الوسائل التي ترمي إلى تشجيع تدفق رؤوس الأموال الأجنبية.

ويترجم إدراج الشركة السعودية للطاقة “أكوا باور” في البورصة هذا الرابط الذي قد يبدو مبهما أحيانا، بين أسواق الأسهم في الخليج وتمويل الشركات المحلية.

ففي أول يوم تداول لها في سوق الأسهم، استطاعت هذه الشركة الحصول على مبلغ 1,2 مليار دولار من خلال بيع جزء من أسهمها.

وقد اغتنم المساهم الأساسي فيها -أي صندوق الاستثمارات العامة- هذا الظرف للتقليص من حجم مشاركته، بهدف إعادة توجيه رأس المال نحو مشاريع أخرى.

إدراج عدد أكبر فأكبر من الشركات في مؤشرات سوق الأوراق المالية بالخليج وخاصة في المملكة العربية السعودية، يمنح باب خروج واضح بالنسبة لأوائل المستثمرين، وفرصا كذلك بالنسبة للممولين الدوليين.

بورصات في دوائر مغلقة

كل هذا لا يمنع أن تواصل بورصات الخليج إلى اليوم العمل في دوائر مغلقة، لعجزها عن جلب المشترين الأجانب. فأكثر من نصف الشركات المدرجة في “تداول” -بورصة أبو ظبي- وفي بورصة دبي سجلت أقل من 5% كنسبة مساهمة أجنبية موفى 2021.

وتعود قلة اهتمام المستثمرين الدوليين جزئيا إلى ضعف قدرة معظم شركات الخليج على التجديد والتوسع، إلى جانب كون مؤشرات سوق الأسهم قليلة التنوع ولا تمثل كثيرا الاقتصاد غير البترولي، ناهيك عن عدم إدراج التكتلات العائلية الكبرى التي تطغى على الاقتصاد غير البترولي في المنطقة، وكذلك الحال بالنسبة للشركات الصغرى والمتوسطة.

يقول مازن الصديري، المسؤول عن الأبحاث بشركة الراجحي المالية بالرياض في هذا الصدد: “تمثل أسماء الشركات البتروكيماوية والبنوك 60% من وزن مؤشرات سوق الأسهم في ’تداول’”.

أما حسنين مالك، مدير الأسواق الناشئة واستراتيجية الحدود في شركة تليمر، مزود بيانات الأسواق الناشئة، فيرى أن الشركات العمومية التي تشكل قاعدة ساحات البورصة في الخليج “لا تنجح عموما في جلب اهتمام المتصرفين الفاعلين الذين يخشون أن تكون مصالح الدولة أهم من مصالحهم كأقلية مساهمة”.

إصلاحات لإقناع المستثمرين

في انتظار إقناع المتصرفين في صناديق الاستثمار الدولية، تسعى بلدان المنطقة جاهدا إلى جعل اقتصادها جذابا أكثر بالنسبة للشركات الأجنبية التي ترغب في استثمار من نوع آخر، كإرساء شراكة، أو فتح مصنع، أو بعث منتوج، أو إنشاء مكتب إقليمي على مسافة متساوية من الأسواق الأفريقية والآسيوية.

ومن أجل التأكيد على صورتها -حيث تُعتبر بالفعل أكثر انفتاحا ومرونة وفقًا للمعايير الإقليمية-، وإقناع الشركات -ولكن أيضًا الأثرياء- بإنشاء مكاتبا أو العيش على ضفاف الخليج، أطلقت الإمارات العربية المتحدة خطة للإصلاحات الاجتماعية خلال أزمة كوفيد-19، تضمنت الزيادة في عدد تأشيرات الإقامة طويلة الأجل، وإلغاء تجريم العلاقات التوافقية خارج الزواج، وإرساء محكمة بت في قضايا الأحوال الشخصية لغير المسلمين.

أما في الجارة السعودية، فيريد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الذي انخرط في مسابقة مع الإمارات العربية المتحدة ودبي على وجه الخصوص، أن يطوي صفحة الإسلام المتشدد التي كتبتها المملكة عبر العالم لمدة عقود، وتقديم صورة مملكة جديدة للمستثمرين الأجانب.

وتمثل التغيرات الاجتماعية المتمثلة في منح المرأة حق القيادة وتوفير عروض ترفيهية تلمع ببريق العولمة بداية حقبة جديدة، حيث يتم إعطاء الأولوية للإمكانيات الاستهلاكية للشباب السعودي.

تحويل قواعد المنافسة

كما جدّدت المملكة ثقافتها التجارية، التي كانت تُعرف بعدم مرونتها. فحسب وزير الاستثمار خالد الفالح، تمت مراجعة أكثر من نصف اللوائح المتعلقة بالاستثمار الأجنبي المباشر، وعددها 400، من أجل الترفيع من اهتمام المستثمرين الأجانب بأكبر اقتصاد في العالم العربي.

وقد أعلن خالد الفالح عن هدف استثماري طموح للعقد المقبل “يتجاوز 3 تريليونات دولار”. لكن منذ إطلاق برنامج التحول الوطني (رؤية 2030) في عام 2016، “لم تفوّت الدولة الأهداف فحسب، بل تراجعت عن المستوى الذي انطلقت منه” من حيث الاستثمار الأجنبي، حسب تحليل بلومبرغ.

لا يزال التدفق الحالي لرأس المال الأجنبي مقيدًا جزئيًا بالحاجة إلى زيادة الجهود لحماية حقوق الملكية الفكرية، وحلّ الانتهاكات القائمة، ومدّ المستثمرين بإمكانية الوصول إلى عدالة شفافة مستقلة عن السلطات الحاكمة.

يقول ستيف لوتس، نائب رئيس شؤون الشرق الأوسط في غرفة التجارة الأمريكية: “إن”التحول الرقمي، والسعي وراء سياسة تجارية موجهة نحو التصدير لتحسين الوصول إلى الأسواق الرئيسية، وضمان عملية استشارية للإصلاحات التنظيمية ووضع القواعد، كلها خطوات يجب اتخاذها من أجل زيادة الاستثمارات“.

كما أن الحظر المفروض على امتلاك الأجانب 100٪ من أسهم شركة مسجلة في دول الخليج – باستثناء الإمارات يمثل عائقا آخر.

يعلّق سيد علي ذاكر نقفي، وهو رجل أعمال باكستاني يدير أسطولًا من سيارات شركة”أوبر“للنقل في قطر، في يناير/كانون الثاني 2021 قائلا:”لقد استثمرت مبالغ كبيرة، ولكن في إطار الكفالة.

ما زلتُ اليوم موظفًا بسيطًا تحت رعاية قطري، وهو المساهم الأكبر […].

إن العديد من رواد الأعمال يرغبون في الاستثمار في الخليج، لكن العديد منهم لا يواصلون في هذا الاتجاه لأنهم يريدون القيام بأعمال تجارية دون أن يكونوا تحت وصاية الكفيل”.

بالإضافة إلى ذلك، ترفض دول مجلس التعاون الخليجي مواءمة ممارساتها التجارية، مما يحرم المستثمرين الأجانب من توفير مبالغ من المال من خلال التعامل من المنطقة كسوق واحدة تضم 60 مليون مستهلك.

مشاريع ذات ربحية غير مؤكدة

تعتمد المنطقة أيضًا، ولا سيما السعودية، على إمداد مشروعات الدولة العملاقة والجاهزة للاستثمار. فـ“نيوم” مثلا، تلك المدينة المستقبلية التي لا توجد اليوم إلا كحبر على ورق، تُوصف بأنها مكان يمكن أن يجلب استثمار مئات المليارات من الدولارات.

لكن النقاد يشككون في ربحية هذا المشروع ولا يترددون في وصفه بجنون العظمة، مستشهدين في ذلك بالتجربة الفاشلة لمدينة الملك عبد الله الاقتصادية التي سقطت في طي النسيان حتى قبل أن تتطور.

ولإثارة اهتمام المستثمرين بالمشاريع العملاقة، تعمل الرياض على “تخضيرها” -أي جعلها “خضراء” أو بيئية- على أمل جذب الاستثمارات الأجنبية التي تأخذ في الاعتبار المعايير البيئية والاجتماعية والحوكمة.

لكن أمام إحجام المستثمرين الأجانب، يجب على المملكة أن تسلّم بحقيقة الأمر الواقع، وهي أن تنويع الاقتصاد المحلي سيتطلب أولاً وقبل كل شيء تعبئة رأس المال السعودي.

في هذا السياق، أعلن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان حشد 24 شركة من القطاع الخاص في إطار برنامج “شريك”، بما في ذلك شركة النفط العملاقة “أرامكو السعودية” وشركة البتروكيماويات “سابك”.

والهدف هنا هو تقليل الأرباح الموزعة على المساهمين لضخ 1,3 تريليون دولار في الاقتصاد خلال العقد المقبل.

وفقًا لسكوت ليفرمور، كبير الاقتصاديين في أكسفورد للاقتصاد الشرق الأوسط، فإن تحويل الوجهة إلى الداخل يمكّن أيضًا من “تقليل المخاطر في تنفيذ بعض أهداف رؤية 2030، وذلك من خلال عدم الاعتماد على الاستثمار الأجنبي المباشر”.

وتُقدّم هذه المشاركة على أنها تطوعية، بيد أنها -وعلى ضوء الممارسات السابقة لسلطات البلاد- تثير الشكوك حول إن كانت هذه الشركات مجبرة على الاستثمار في مشاريع لا علاقة لها بأعمالها الأساسية.

هذه المبادرة جزء من خطة استثمارية ضخمة تبلغ قيمتها 3.2 تريليون دولار ويشارك فيها صندوق الاستثمارات العامة.

ويلتزم صندوق الثروة السيادية بضخ 40 مليار دولار في الاقتصاد السعودي كل سنة إلى حدود عام 2025، حتى لو كانت معدلات العائد على رؤوس الأموال الموزعة محليًا، إلى يومنا هذا، أقل من تلك التي تم الحصول عليها في أسواق الأسهم أو الأسواق العقارية الدولية.

ولم يغب هذا الأمر عن المستثمرين الأجانب، الذين يشكّكون في الربحية الحقيقية المحتملة للمشاريع التي أطلقها ولي العهد السعودي.

في الوقت نفسه، تلعب دول الخليج ورقتها الرابحة، أي شركات النفط، لإقناع المستثمرين الأجانب. أرامكو السعودية وشركة بترول أبو ظبي الوطنية، اللتان ستوفران آخر قطرات النفط التي سيستهلكها العالم، هما أداتان مواتيتان لجذب الاستثمارات الأجنبية .

في عام 2021، أصدرت شركات الطاقة الخليجية ديونًا بقيمة 30,5 مليار دولار، وهو أعلى مستوى في 25 عامًا على الأقل.

ويذكرنا هذا الرقم بأن اقتصاديات الخليج لا تزال قبل كل شيء مرتبطة للمستثمرين الأجانب بالربحية العالية لرأس المال المستثمَر في شركات النفط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى