الاقتصادالخليج العربيرئيسيمقالات رأي

حوارات انفصاليي اليمن في أبوظبي تكشف عمق أزمتهم

تراجعت مستوى الحماسة المرتبط بالقوى الداعية لانفصال جنوب اليمن، في وقت يجري الحديث فيه عن حوارات جنوبية – جنوبية، يروج لها “المجلس الانتقالي الجنوبي”، المدعوم إماراتياً، والتي تحولت هي الأخرى إلى أحد الشواهد على عمق التباينات وتعقيدات الجنوب اليمني، التي ما إن تتعافى من أسبابها حتى تدخل في أخرى.

 

وكشفت مصادر يمنية قريبة من قيادات شاركت في لقاءات استضافتها أبوظبي، خلال الأسبوعين الأخيرين، أن قيادات “المجلس الانتقالي” (الانفصالي)، برئاسة محافظ عدن السابق، عيدروس الزبيدي، تواصل بدعم إماراتي، اتصالاتها مع قيادات جنوبية متواجدة خارج البلاد، من تلك التي تحفظت عن تأييد المجلس، أو وقفت على الضد منه خلال المرحلة الماضية، بغية الدخول معها في تفاهمات، من شأنها الاتفاق على خطوات سياسية في المرحلة المقبلة أو التأثير على قاعدة المعارضة، التي لا تزال القيادات، المدعومة إماراتياً، تواجهها في محافظات جنوبي البلاد.

 

واستعانت قيادة “الانتقالي” بقيادات لها رمزية تاريخية وثقل سياسي بالنسبة للجنوب اليمني ومسيرة “الحراك الجنوبي”، وفي المقدمة منها، علي سالم البيض، وبدرجة ثانية، رئيس أول حكومة في دولة الوحدة، حيدر أبوبكر العطاس، ورئيس حزب “الرابطة”، عبدالرحمن الجفري، وصولاً إلى النائب السابق للرئيس ورئيس الحكومة سابقاً، خالد بحاح، المعروف بقربه من أبوظبي.

 

وأغلب هذه القيادات مؤيدة علناً لـ”المجلس الانتقالي”، في حين أن أبرز القيادات التي تمت دعوتها إلى اللقاءات من خارج حلبة “الانتقالي” ودوائر مؤيدي أبوظبي، كان الرئيس الأسبق علي ناصر محمد، والأخير معروف بموقفه المتحفظ، ليس على “الانتقالي” فحسب، بل كذلك على تأييد التدخل العسكري للتحالف، بقيادة السعودية.

 

وعلى الرغم من مرور ما يقرب من أسبوعين على عقد لقاءات في أبو ظبي، تفيد مصادر قريبة من القيادات المشاركة في اللقاءات، بأن النتائج حتى اليوم، كانت مُحبطة بالنسبة لقيادات “الانتقالي”، التي يبدو أنها قفزت إلى “الحوارات”، للهروب من انتكاسات وتعقيدات واجهتها خلال المرحلة الماضية.

 

إذ بالإضافة إلى أن القيادات المعروفة بمعارضتها للمجلس، كعلي ناصر محمد، لم يصدر عنها أي موقف يشير إلى وجود تقدم، فإنها جاءت أيضاً، لتسلط الضوء على مدى عمق التباينات بين القيادات والأطراف الفاعلة في الجنوب اليمني، والتي كانت توافرت لها خلال السنوات العشر الماضية من مسيرة “الحراك الجنوبي”، العديد من نقاط الالتقاء، حينما كان هناك نظام واضح، تتم مقارعته، وهو الحكومة اليمنية في صنعاء والاتفاق على هدف السعي نحو قرار مستقل للجنوب، سواء عبر المطالبة بالانفصال، كما هو حال تيار علي البيض، أو المطالبة بالفيدرالية بين الشمال والجنوب، كما كانت تطالب قيادات محسوبة على تيار علي ناصر محمد، وآخرين.

 

وبينما عززت تطورات السنوات الأخيرة، وجود “جنوب” متحرر من سيطرة “الشمال”، أو “نظام صنعاء” كما يسميه خطاب الداعين إلى الانفصال، وفيما باتت السيطرة في المناطق الجنوبية لليمن، لقوات من أبناء تلك المحافظات وتحت إدارة مسؤولين منتمين إليها، فإن الشرخ توسع بين الأطراف ومجمل التوجهات الجنوبية مجدداً، بفعل العديد من العوامل، بما فيها التدخل الإقليمي، إذ إن القرار لدولة الإمارات وحلفائها من الانفصاليين إلى حد كبير، بالإضافة إلى بروز التحديات المنطقية المتعلقة بحقيقة لا يمكن تجاوزها، وهي أن حضرموت، التي تمثل الجزء الأكبر مما كان يُعرف بـ”جمهورية اليمن الديمقراطية”، أي دولة الجنوب اليمني قبل الوحدة، لا تحن إلى ما قبل العام 1990، بل تفضل الحصول على ميزات الاستقلال الذاتي، في إطار مشروع اليمن الاتحادي، الذي تتبناه الحكومة الشرعية، أو حتى الانفصال، بعيداً عن “الجنوب” و”الشمال”.

 

وفي هذا السياق، يأتي التحدي الآخر، الذي يقف أمام الحوارات التي يرتب لها “الانتقالي”، وهي أنها تبحث عن قيادات وشخصيات فاعلة أو ذات تاريخ سياسي بالنسبة للجنوب ولمسيرة “الحراك”، لكنها لا تتوجه نحو العنوان الأكبر للأزمة بتموضعاتها الحالية، بين “الانتقالي” وبين الحكومة الشرعية المعترف بها، والأخيرة ساد الصراع على العلاقة بينها وبين أبوظبي وحلفائها، وهو ما يجعل من أي حوارات أو اصطفافات ينجح فيها “الانتقالي”، غير ذات جدوى، ما لم تخترق جانب الحوار مع الشرعية، ممثلة بالرئيس عبدربه منصور هادي، كرمز للشرعية وللقيادات الجنوبية التي تقف على الضد من “الانتقالي”.

 

في غضون ذلك، كان صادماً، بالنسبة لحلفاء أبوظبي المتمسكين بالانفصال، أن يخرج قيادي بوزن محمد علي أحمد، رئيس ما يُسمى بـ”المؤتمر الوطني لشعب الجنوب”، وهو أحد المعدودين من القيادات التاريخية الجنوبية المتواجدة خارج البلاد، للإعلان أن الشرعية، بالنسبة إليه، هي الخيار الأفضل.

 

وقال أحمد، في بيان أصدره لمناسبة شهر رمضان قبل أيام، إنه التقى ممثلين عن “الشرعية” وعن “الانتقالي”، وإنه “من خلال لقاءاتنا بممثلي الانتقالي كانت أكثر ردودهم أنهم لا يمتلكون القرار في الرد، أو الالتزام بذلك، ووعدوا بالرد علينا، ولكنهم فعلاً لا يمتلكون القرار أو حرية التصرف والالتزام، وكان ممثلو الشرعية هم الأفضل، ووعدوا بأن تكون هذه النقاط والشروط أساس الإطار الذي يتبنونه”، في إشارة إلى الموقف الذي يتمسك به أحمد، ويتمثل برفض تقسيم الجنوب إلى إقليمين.

 

وجاء هذا الموقف بعدما التقى محمد علي أحمد بقيادات من “الانتقالي”، في العاصمة المصرية القاهرة، في مارس/ آذار الماضي. على أن حديثه عن أن ممثلي “المجلس الانتقالي” لا يمتلكون القرار، إشارة على ما يبدو إلى دور أبوظبي بالتأثير على الرؤى التي يتبناها “الانتقالي”.

 

ومن المعروف أن الأخير، وعلى الرغم من تمسكه بمبدأ الانفصال عن الشمال، إلا أنه أبدى قبولاً بمسألة أن تكون حضرموت إقليماً.

 

بالإضافة إلى ذلك، فإن أزمة العامين الأخيرين في عدن، أحيت نوعاً من الفرز “المناطقي”، الذي عانى منه الجنوب اليمني في السابق، وكان قد بدأ التغلب عليه في ظل وجود طرف ثالث، وهو الحكومة المركزية أو “الشمال”، تتوجه نحوه أصابع الاتهام.

 

وهذا الفرز، بنسبة ما، يحضر من خلال تصدّر القيادات المنتمية للضالع ومحيطها واجهة “الانتقالي”، في مقابل أن الشرعية، الخصم الرئيسي للمجلس، ممثلة بهادي وقيادات أخرى في الحكومة من محافظة أبين. على أن الطرفين يتمتعان بمؤيدين من مختلف المحافظات.

 

الجدير بالذكر أن “الانتقالي”، الذي يمثل في الأساس، أقوى أو أغلب تيارات وقوى “الحراك الجنوبي”، وتأسس في مايو/ أيار2017، تعرض لانتكاسات وصدمات متتالية، إذ قدم في بادئ الأمر نفسه باعتباره سلطة ستحكم جنوباً يمنياً منفصلاً، وأعلن عن موعد لإعلان “مجلس عسكري”، ولكن رغبة التحالف ببقاء الشرعية دفعته لتخفيض سقف مطالبه، ليتحول باتجاه البناء التنظيمي والتوسع في النفوذ بمختلف المحافظات، وإعلان ما سُمي “الجمعية العمومية للمجلس الانتقالي” (“البرلمان الجنوبي” بوصف مؤسسيها)، وصولاً إلى تبني التصعيد ضد الشرعية في يناير/ كانون الثاني الماضي، وما رافقه من أحداث تسببت بمواجهات داخل عدن، ولم يفرض فيها المجلس تهديداته بإسقاط الحكومة، رغم النفوذ الذي يتمتع به بفعل القوات المدعومة إماراتياً.

 

كل ذلك، أثر سلباً على صورة “المجلس الانتقالي” في الداخل الجنوبي، وهو ما دفعه على الأرجح، لابتكار مبادرات وخطوات سياسية، على غرار إطلاق “حوار جنوبي – جنوبي”، ولكن بعناوين لا تمس جوهر الأزمة، بشكل فعلي، على الأقل حتى اليوم.

 

وللمرة الأولى منذ سنوات، يمر 22 مايو/ أيار، ذكرى توحيد اليمن، دون فعالية جماهيرية لأنصار “الحراك الجنوبي”، الذين كانوا يحتفلون في الـ21 من مايو من كل عام، باعتباره ذكرى إعلان “فك الارتباط” خلال العام 1994، ليبدو أن الفرص التي تتاح لفرض انفصال في الجنوب اليمني، بفعل انهيار الدولة المركزية وغيرها من ظروف الانقسام التي تعيشها البلاد، جاءت هي الأخرى، لتكشف حجم التعقيدات أمام مشروع “الانفصال” نفسه، من دون أن يكون هناك من يقف بوجهه بالضرورة.

 

وهذه التعقيدات، هي انعكاس أيضاً، لموجة الرفض التي واجهتها سياسة أبوظبي وحلفائها، وساهمت بتعميق الخلافات، أو كنتيجة للمصالح والقوى التي أفرزها الواقع الجديد، وانضمت إلى عناصر الخلاف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى